عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
43
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلّا بالعجز عن معرفته ، تعالت سبحاته أن تدرك بسواه ، وعزّت قسماته أن ينال جانب عزّها بسبب حاشاه » . وأما الجمال المقيّد فإنّه ينقسم إلى كلّيّ وجزئيّ . أما الكلي فهو نور قدسيّ فائض من جمال الحضرة الإلهية سرى في سائر الموجودات علوا وسفلا باطنا وظاهرا . فأول إشراقه على عالم الملكوت ، ثم على عالم الجبروت وهو عالم النفوس الإنسانية ، ثم على القوى الحيوانية ثم النباتية ، ثم على سائر أجسام العالم السفلي على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها ، فما من ذرة من العالم إلا وقد أشرق عليها من هذا النور الإلهي والجمال القدسي بقدر احتمالها ؛ لكن قبول الأشياء له بقدر العناية الأزلية ، ولولا ذلك لم يكن للأشياء ظهور . فإنّ هذا هو سرّ الوجود وبه ظهر ، ولو فرض عدمه لم يكن موجودا في العالم ، وهو أظهر الأشياء فلا أظهر منه ، ولا يدرك إلا بنور العقل . وكما أن نور الشمس به ظهرت الألوان والأشكال والصور ولولاه لم تظهر للحسّ فهو شيء زائد عليها . فالقاصر النظر إذا شاهد صورة الأشياء يعتقد أن ليس معها شيء زائد عليها وينكر هذا النور الذي به ظهرت حتى أدركها الحسّ . فإذا ذهب ذلك النور وعدمت صورة الأشياء من البصر حينئذ يتفطّن أن النور كان سبب ظهورها وإنما خفي لشدة ظهوره . [ الجمال الكلي ] فكذلك الجمال الكلي لم يخل عنه موجود ، لكن لا يدركه على الحقيقة إلا من كانت ذاته كلية ، كما أن من كانت ذاته جزئية لا يدرك إلا الجمال الجزئي . والكلّي الذات هو الذي تناسب ذاته جميع الذوات فيكون كلّها وتكون كلّه ؛ وذلك أن العارف لما ناسب الأشياء كلها بما له معها من الاشتراك في النور الإلهي الذي لم يخل عنه موجود لم ير ذاته شيئا غير ذلك النور ، وكذلك سائر الأشياء لا يراها شيئا إلا ذلك أو لا يرى لها من ذاتها سوى العدم المحض ، وإنما الوجود لها من ذلك النور ويراه مع هذا شيئا واحدا فيعلم يقينا أنّه هو ذلك النور الواحد الذي غمر سائر الأشياء فكان كلّها وكانت كلّه : [ من البسيط ] يا جملة الكلّ لست غيري * فما اعتذاري إذا إليّا « 1 »
--> ( 1 ) هذا البيت هو للحسين بن منصور الحلاج ( المولود سنة 244 ه - والمتوفّى سنة 309 ه ) وورد قبلة الأبيات التالية : -